فهم المشاعر وآلية عملها في الدماغ
نتعمق في فهم ماهية المشاعر من منظور علمي، وكيف تؤثر على الدماغ، وآليات عملها في أجسامنا، وكيف يمكننا إعادة برمجة العقل للتحكم فيها.
مقدمة الدورة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أهلاً بكم في دورة "من أين أبدأ؟" للذكاء العاطفي والتحكم في المشاعر. أنا ليال العتيبي، مدربة تطوير ذاتي ومتخصصة في الوعي والذكاء العاطفي، وسأكون مرشدتكم في هذه الرحلة لمدة خمسة أيام.
أؤمن بأن "المعرفة هي القوة الدافعة للتغيير"، وأن المشاعر عندما تُفهم وتُدار بشكل صحيح، تتحول من عقبات إلى وقود يدفعنا للأمام. في هذه الدورة، لن نتحدث فقط عن نظريات مجردة، بل سنتعمق في فهم آليات المشاعر في الدماغ، ونتعلم تقنيات علمية للسيطرة على مشاعرنا وتوجيهها بالشكل الإيجابي.
تم تصميم هذه الدورة لتكون رحلة تحوّل من مرحلة التأثر السلبي بالمشاعر إلى مرحلة التحكم الإيجابي فيها. سنبدأ بفهم المشاعر علمياً، ثم ننتقل إلى كيفية إدارتها، وصولاً إلى استخدامها كطاقة إيجابية في حياتنا.
إليكم ما سنتعلمه في الأيام الخمسة القادمة:
- اليوم الأول: فهم المشاعر وآلية عملها في الدماغ
- اليوم الثاني: معرفة الفرق بين المشاعر الحقيقية والمزيفة
- اليوم الثالث: التعامل مع مشاعر الغضب والقلق
- اليوم الرابع: إدارة المشاعر العاطفية والحب بذكاء
- اليوم الخامس: تحويل المشاعر إلى قوة دافعة للنجاح
أتطلع إلى رحلة تحول عميقة معكم، حيث نتعلم كيف ننمي الوعي العاطفي ونعيش حياة أكثر توازناً وإيجابية.
لنبدأ الرحلة، و"سترى الحياة بشكل آخر"!
بكل محبة، ليال العتيبي
الجلسة الأولى: ما هي المشاعر من منظور علمي؟
المشاعر ليست مجرد أحاسيس عابرة تمر بنا، بل هي استجابات كيميائية وعصبية معقدة تحدث في أدمغتنا استجابة للمحفزات الداخلية والخارجية. لفهم كيفية التحكم بمشاعرنا، علينا أولاً فهم كيف تتشكل في الدماغ.
كيف تتشكل المشاعر في الدماغ؟
1. اللوزة الدماغية (Amygdala): مركز المشاعر
اللوزة الدماغية لها دور محوري في حياتنا العاطفية:
- مسؤولة عن توليد المشاعر القوية مثل الخوف، الغضب، والقلق
- تعمل كنظام إنذار مبكر للتهديدات المحتملة
- تتفاعل مع القشرة المخية لتفسير المشاعر واتخاذ القرارات
- تنشط بشكل خاص في "الاستجابة الفورية" للمواقف (كالهروب من الخطر)
2. القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex): مركز التحكم
تلعب القشرة الجبهية دوراً حاسماً في:
- تنظيم المشاعر عبر تقييم المواقف والتفكير بعقلانية
- كبح المشاعر السلبية والتصرف بهدوء
- اتخاذ القرارات المدروسة بدلاً من الانفعالات العشوائية
الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي مرتفع لديهم نشاط أكبر في هذه المنطقة، مما يتيح لهم التحكم بمشاعرهم بشكل أفضل.
3. النواقل العصبية (Neurotransmitters): الوقود الكيميائي للمشاعر
مشاعرنا تتأثر بشكل كبير بالمواد الكيميائية في الدماغ:
- الدوبامين: يسبب مشاعر السعادة والتحفيز
- السيروتونين: يساعد في الشعور بالراحة والاستقرار العاطفي
- الأوكسيتوسين: مسؤول عن مشاعر الحب والتواصل الاجتماعي
- الكورتيزول: هرمون التوتر، يرتفع عند الخوف أو القلق
4. الجهاز العصبي الذاتي: الاستجابة الجسدية
الجهاز العصبي ينقسم إلى:
- الجهاز العصبي الودي: ينشط في حالات الضغط والتوتر (القتال أو الهروب)
- الجهاز العصبي اللاودي: يهدّئ الجسم بعد التوتر ويعيده لحالة الاسترخاء
لماذا هذه المعرفة مهمة؟
عندما تفهم أن المشاعر هي نتيجة نشاط عصبي وكيميائي، تدرك أنك:
- لست مضطراً للاستسلام لمشاعرك السلبية
- يمكنك التدخل وإعادة توجيه مسار المشاعر
- التحكم بالمشاعر ليس ضعفاً، بل فهماً عميقاً لآلية عمل عقلك
تمرين لمساعدتك على فهم العلاقة بين مشاعرك والعمليات العصبية في الدماغ
- خصص دفتراً صغيراً أو تطبيقاً على هاتفك لتسجيل مشاعرك
- سجل المشاعر التي مررت بها اليوم، وحاول ربطها بالعمليات الدماغية التي تعلمتها
- مثال: "شعرت بالقلق قبل الاجتماع" = نشاط في اللوزة الدماغية
- مثال آخر: "تمكنت من تهدئة نفسي بعد موقف محرج" = استخدام القشرة الجبهية للتحكم في الاستجابة العاطفية
- حاول تحديد ثلاثة مشاعر مختلفة على الأقل وتحليل ما يحدث في دماغك عندما تشعر بها
- لاحظ الفرق بين المشاعر التلقائية (اللوزة الدماغية) والمشاعر التي تمكنت من التحكم بها (القشرة الجبهية)
الجلسة الثانية: إعادة برمجة العقل علمياً
مفهوم اللدونة العصبية وقدرة الدماغ على التغيير
إعادة برمجة العقل تعتمد على مفهوم أساسي في علم الأعصاب يسمى "اللدونة العصبية" (Neuroplasticity)، وهي:
- قدرة الدماغ على تشكيل وصلات عصبية جديدة عبر التكرار والتجربة
- إمكانية تغيير المعتقدات والعادات من خلال إضعاف المسارات العصبية القديمة وتقوية الجديدة
- دليل علمي على أننا لسنا محكومين بأنماط تفكيرنا الحالية
الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن:
"الدماغ البالغ يستطيع الاستمرار في تشكيل روابط عصبية جديدة ونمو خلايا عصبية حتى في سن الشيخوخة استجابةً للتعلم أو التدريب"
خطوات عملية لإعادة برمجة العقل
1. فهم كيف يعمل الدماغ
- الدماغ يعمل وفق مبدأ بسيط: "ما تستخدمه يقوى، وما تهمله يضعف"
- المسارات العصبية المتكررة تصبح أقوى كلما استخدمتها
- الدماغ لا يفرق بين الحقيقة والخيال، بل يبني واقعه وفقاً لما تركز عليه
2. التعرف على المعتقدات السلبية وتعطيلها
المعتقدات السلبية مثل "أنا فاشل" أو "لا أستطيع التحكم في مشاعري" نشأت من تجارب سابقة وأصبحت عادات تفكير راسخة.
لتعطيل هذه المعتقدات:
- التوعية: لاحظ متى تظهر الفكرة السلبية، وما المشاعر المرتبطة بها
- التشكيك: هل هناك دليل علمي يثبت هذا المعتقد؟
- إعادة الصياغة: استبدل "أنا لا أستطيع التحكم في غضبي" بـ "أتعلم كيف أتحكم في مشاعري تدريجياً"
- إيقاف الفكرة: عند ظهور المعتقد السلبي، قل لنفسك "توقف"، ثم استبدله بفكرة إيجابية
3. بناء وصلات عصبية جديدة
لبناء روابط عصبية جديدة تدعم مشاعر إيجابية، استخدم:
أ. التكرار المكثف
- كرر المعتقد الجديد بصيغة إيجابية مثل:
- "أنا قادر على التحكم في مشاعري"
- "أستطيع أن أختار استجابتي للمواقف"
- الدراسات تثبت أن التكرار المنتظم يعيد تشكيل الدماغ، خاصة إذا كان مصحوباً بمشاعر قوية.
ب. التوكيدات الإيجابية مع المشاعر
- عند تكرار التوكيدات، اشعر بها كما لو كانت حقيقة
- المشاعر تحفّز إنتاج الدوبامين والسيروتونين، مما يعزز تكوين الوصلات العصبية الجديدة
ج. التصور الذهني
- العقل يستجيب للصور أكثر من الكلمات
- أغلق عينيك وتخيل نفسك تتحكم في مشاعرك بثقة في موقف صعب
- هذه التقنية يستخدمها الرياضيون والناجحون لتقوية المسارات العصبية المرتبطة بالنجاح
4. استخدام دورة العادات لتعزيز التغيير
الدماغ يحب الروتين، لذلك يمكنك استخدام دورة العادة (Habit Loop) لترسيخ المعتقدات الجديدة:
- المحفز: ضع تذكيرات إيجابية حولك (ملاحظات، خلفية هاتف)
- السلوك: عند رؤية التذكير، قم بالفعل الإيجابي (مثل تكرار التوكيدات)
- المكافأة: كافئ نفسك بعد كل نجاح صغير لتعزيز الدوبامين في الدماغ
تطبيق عملي: برمجة العقل للتحكم في المشاعر
تمرين عملي لتحديد المعتقدات السلبية حول المشاعر واستبدالها بأخرى إيجابية
- اكتب 3 معتقدات سلبية لديك حول قدرتك على التحكم بمشاعرك (مثال: "أنا دائماً أفقد أعصابي في المواقف الصعبة")
- اكتب بجانب كل معتقد سلبي البديل الإيجابي له (مثال: "أتعلم كل يوم كيف أستجيب للمواقف الصعبة بهدوء أكبر")
- ضع خطة لتكرار هذا المعتقد الإيجابي 3 مرات يومياً (صباحاً، ظهراً، مساءً)
- استخدم التصور الذهني: تخيل نفسك تتصرف وفق المعتقد الجديد
- اصنع 5 بطاقات صغيرة واكتب في كل منها تذكيراً إيجابياً
- ضع هذه البطاقات في أماكن تراها باستمرار (مرآة الحمام، مكتبك، هاتفك)
- كلما رأيت البطاقة، خذ نفساً عميقاً وكرر العبارة الإيجابية
تأملات ختامية لليوم الأول
اليوم تعلمنا أن المشاعر ليست قوة خارجة عن سيطرتنا، بل هي استجابات عصبية وكيميائية يمكننا التحكم بها عبر فهم آلية عملها وإعادة برمجة العقل.
المعرفة هي أول خطوات التغيير، وقد بدأنا اليوم بفهم عميق للأساس العلمي للمشاعر. غداً، سنتعلم كيف نميز بين المشاعر الحقيقية والمزيفة، وكيف نتعامل معها بذكاء.
"عندما تدرك أن مشاعرك هي نتاج تفاعلات كيميائية في دماغك، تصبح أنت سيد هذه التفاعلات، لا عبداً لها." - ليال العتيبي
أي جزء من الدماغ مسؤول عن توليد المشاعر القوية مثل الخوف والغضب؟

ليال العتيبي
مدربة معتمدة في التنمية الشخصية