العقد النفسية والإسقاطات: كيف تتشكل ولماذا تستمر؟
في هذا اليوم، سنفهم كيف تتشكل العقد النفسية في مرحلة الطفولة وكيف تستمر في التأثير علينا عبر آلية الإسقاطات.
العقد النفسية والإسقاطات: كيف تتشكل ولماذا تستمر؟
التنويم المغناطيسي الطبيعي في مرحلة الطفولة
هل تساءلت يوماً لماذا تظل بعض الكلمات القاسية التي سمعتها في طفولتك راسخة في ذاكرتك حتى الآن؟ أو لماذا تنتابك مشاعر القلق أو الخوف تلقائياً في مواقف معينة دون سبب منطقي واضح؟
يكمن السر في فهم ظاهرة "التنويم المغناطيسي الطبيعي" الذي يكون دماغ الطفل عرضة له. يشير العالم البيولوجي د. بروس ليبتون في أبحاثه إلى أن دماغ الطفل حتى سن السابعة تقريباً يعمل بموجات دماغية بطيئة (موجات ثيتا وألفا) تجعله في حالة أشبه بالتنويم المغناطيسي - حيث يستقبل المعلومات والبرمجة من البيئة المحيطة دون تصفية أو نقد منطقي.
تخيل معي: طفل صغير يسمع والده يقول له بنبرة غاضبة "أنت غبي!" أو "لن تنجح أبداً". في هذه اللحظة، لا يملك العقل الناقد للتساؤل: "هل هذا صحيح؟ هل أنا حقاً غبي؟" - بل يستقبل هذه المعلومة كحقيقة مطلقة وتترسخ في لاوعيه.
ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً أن هذه البرمجة المبكرة تحدث في مرحلة ما قبل تكوين الذاكرة الواعية، لذلك معظمنا لا يتذكر متى أو كيف تشكلت هذه المعتقدات السلبية عن الذات، لكنه يعيش آثارها سنوات طويلة.
آلية تخزين المعتقدات في اللاوعي
عندما تتكرر رسالة معينة في مرحلة الطفولة، سواء كانت كلمات مباشرة أو سلوكيات أو حتى تعبيرات وجه، يقوم الدماغ بتخزينها كنموذج أو "برنامج" في العقل الباطن. وتشير الدراسات إلى أن معظم معتقداتنا الأساسية عن أنفسنا وعن العالم تتشكل في السنوات السبع الأولى من حياتنا.
ما يحدث بعد ذلك هو أشبه بعملية برمجة الكمبيوتر:
1. البرمجة الأولية: تدخل المعلومات إلى العقل الباطن دون تصفية
2. تكرار البرنامج: يبدأ العقل الباطن باستخدام هذا البرنامج في المواقف المشابهة
3. التعزيز الذاتي: يبحث العقل عن أدلة تؤكد هذه المعتقدات ويتجاهل ما يناقضها
4. التشغيل التلقائي: تصبح هذه المعتقدات تعمل بشكل تلقائي دون وعي منا
نحن لسنا ما قيل لنا، نحن ما نختار أن نكونه
استمرار تأثير العقد النفسية
لنتساءل الآن: إذا كانت هذه العقد النفسية تتشكل في الطفولة، فلماذا تستمر في التأثير علينا حتى بعد أن نكبر ونصبح بالغين عاقلين؟ الإجابة تكمن في ظاهرة نفسية تسمى "الإسقاطات".
الإسقاط هو عملية نفسية لا واعية نقوم من خلالها بتفسير الواقع الحالي من خلال عدسة تجاربنا السابقة. فعندما نواجه موقفاً جديداً، يقوم عقلنا الباطن بمسح ذاكرته بحثاً عن مواقف مشابهة لتحديد كيفية الاستجابة.
على سبيل المثال:
- الطفلة التي سمعت دائماً أنها "ليست ذكية بما يكفي"، قد تعيش في حالة قلق مستمر من الفشل كبالغة، حتى لو كانت ناجحة أكاديمياً ومهنياً.
- الطفل الذي تعرض للنقد المستمر، قد يطور حساسية مفرطة للنقد كبالغ، ويفسر أي ملاحظة بسيطة كهجوم شخصي.
- الطفل الذي اعتاد على التجاهل قد يصبح شخصاً يبحث دائماً عن الانتباه ويشعر بعدم الأمان في العلاقات.
هذه الدائرة المفرغة تجعلنا نعيد إنتاج نفس الأنماط النفسية والسلوكية مراراً وتكراراً، حتى لو كنا واعين بأنها لا تخدمنا. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف نكسر هذه الدائرة؟ كيف نتحرر من سجن المعتقدات التي تشكلت في طفولتنا؟
تمرين للتعرف على العقد النفسية التي قد تؤثر على حياتك حالياً
- خصص 20 دقيقة من وقتك في مكان هادئ، وجهز ورقة وقلم.
- فكر في المواقف التي تجعلك تشعر بردود فعل قوية غير متناسبة مع الموقف (مثل الغضب الشديد، القلق المفرط، الانسحاب).
- اكتب قائمة بهذه المواقف، ولكل موقف اسأل نفسك: ما هو الشعور الذي ينتابني؟ متى شعرت بهذا الشعور للمرة الأولى في حياتي؟
- حاول تذكر أقرب موقف مشابه من طفولتك - قد يكون موقفاً مع أحد الوالدين، معلم، أو صديق.
- اكتب الرسالة الضمنية التي استنتجتها عن نفسك من ذلك الموقف (مثلاً: 'أنا غير محبوب'، 'أنا غير كفء'، 'لا يمكنني الثقة بالآخرين').
- حدد ثلاثة مواقف في حياتك الحالية تظهر فيها هذه المعتقدات وتؤثر على قراراتك وسلوكياتك.
في أي سن تتشكل معظم معتقداتنا الأساسية عن أنفسنا وعن العالم؟
ملخص اليوم الثاني
- العقد النفسية تتشكل في مرحلة الطفولة المبكرة نتيجة 'التنويم المغناطيسي الطبيعي'
- يستقبل دماغ الطفل المعلومات دون تصفية أو نقد منطقي، مما يجعل البرمجة السلبية أكثر تأثيراً
- تخزين المعتقدات في اللاوعي يتم عبر آلية البرمجة، التكرار، التعزيز الذاتي، ثم التشغيل التلقائي
- الإسقاطات النفسية هي السبب في استمرار تأثير العقد النفسية حتى بعد البلوغ
- الخطوة الأولى للتحرر هي الوعي بهذه العقد والإسقاطات وكيفية تأثيرها على حياتنا
في اليوم الثالث، سنتعرف على تمارين عملية للتحرر من العقد النفسية، ونبدأ الخطوات الأولى في رحلة الشفاء.

ليال العتيبي
مدربة معتمدة في التنمية الشخصية